ابن قتيبة الدينوري
27
الإمامة والسياسة ( بيروت )
يضرب بثوبه وجوههم ، حتى فرغوا من البيعة ، فقال : فعلتموها يا معشر الأنصار ، أما واللَّه لكأنّي بأبنائكم على أبواب أبنائهم ، قد وقفوا يسألونهم بأكفهم ولا يسقون الماء . قال أبو بكر : أمنا تخاف يا حباب ؟ قال : ليس منك أخاف ، ولكن ممن يجيء بعدك [ ( 1 ) ] . قال أبو بكر : فإذا كان ذلك كذلك ، فالأمر إليك وإلى أصحابك ، ليس لنا عليك طاعة ، قال الحباب : هيهات يا أبا بكر ، إذا ذهبت أنا وأنت ، جاءنا بعدك من يسومنا الضيم . 26 تخلف سعد بن عبادة رضي اللَّه عنه عن البيعة فقال سعد بن عبادة : أما واللَّه لو أن لي ما أقدر به على النهوض ، لسمعتم مني في أقطارها زئيرا يخرجك [ ( 2 ) ] أنت وأصحابك ، ولألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع ، خاملا غير عزيز ، فبايعه الناس جميعا حتى كادوا يطئون سعدا . فقال سعد : قتلتموني . فقيل [ ( 3 ) ] : اقتلوه قتله اللَّه ، فقال سعد : احملوني من هذا المكان ، فحملوه فأدخلوه داره وترك أياما ، ثم بعث إليه أبو بكر رضي اللَّه عنه : أن أقبل فبايع ، فقد بايع الناس ، وبايع قومك ، فقال : أما واللَّه حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل ، وأخضب منكم سناني ورمحي [ ( 4 ) ] ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي ، ولا واللَّه لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي ، وأعلم حسابي . فلما أتي بذلك أبو بكر من قوله ، قال عمر : لا تدعه حتى يبايعك ، فقال لهم بشير بن سعد : إنه قد أبى ولج ، وليس يبايعك حتى يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل ولده معه ، وأهل بيته وعشيرته ، ولن تقتلوهم حتى تقتل الخزرج ، ولن تقتل الخزرج حتى تقتل الأوس ، فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم ، فاتركوه فليس تركه بضاركم ، وإنما هو رجل واحد ، فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد ، واستنصحوه لما بدا لهم منه . فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ، ولا يجمع [ ( 5 ) ]
--> [ ( 1 ) ] قال الجوهري في كتاب السقيفة : لقد صدقت فراسة الحباب ، فإن الّذي خافه وقع يوم الحرة ( سنة 63 ) وأخذ من الأنصار ثأر المشركين يوم بدر ( شرح النهج 1 / 313 ) . [ ( 2 ) ] في الطبري : « يجحرك وأصحابك » يعني يدخلكم المضايق . [ ( 3 ) ] القائل هو عمر بن الخطاب . قاله في الطبري . [ ( 4 ) ] في الطبري : سنان رمحي . [ ( 5 ) ] أي لا يصلي الجمعة معهم .